الشيخ محمد هادي معرفة

128

التفسير الأثرى الجامع

قال : في ذلك خلاف ؛ قال أبو عليّ : لا يجوز ذلك إلّا على من لم يضطرّه اللّه إلى معرفته . وقال بعضهم : يجوز التكليف في الحكمة ، وإن اضطرّ إلى المعرفة . قال : وقول أبي عليّ أقوى . قال : وأعلّ الرمّانيّ « 1 » قول أبي عليّ الجبّائيّ ، قال : لمّا كان الشكر على النعمة يجب في المشاهد ، مع الضرورة إلى معرفة المنعم ، كان الشكر للنعمة « 2 » التي هي أجلّ من نعمة كلّ منعم في الشاهد أولى أن تجب مع الاضطرار إلى المعرفة « 3 » . ووجه القول الأوّل : أنّ الغرض من الطاعات لمّا كان هي المعرفة ، فلو حصلت ارتفع الغرض فارتفع التابع له . كما أنّ الغرض من الشرائع هو الاستصلاح في الأصول التي تجب في العقول ، فلو ارتفع ذلك الغرض - أي حصل بالفعل - ارتفع وجوب العمل بالشرع « 4 » . وعمدة هذا الوجه : أنّ الغرض من التكليف هي المعرفة وحصول الكمال العقلاني ، فإذا حصلت الغاية ، فلا موجب للتكليف . وأجيب بأنّ الحكمة في التكليف هو التعالي في الكمال ، ويتزايد بتزايد درجات الطاعة ، ومن ثمّ كان أصحاب الكمال في المعرفة - كالإمام أمير المؤمنين القائل : [ 2 / 1972 ] « لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا » كانوا أشدّ اجتهادا في الطاعة والعبادة ! وإنّما وجدوا اللّه أهلا للعبادة فعبدوه . [ 2 / 1973 ] كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » « 5 » . بل هو القائل : « كيف أعبد ربّا لم أره . » « 6 » . كان عليه السّلام على كمال المعرفة ، ومع ذلك كان أشدّ الناس اجتهادا في عبادة اللّه سبحانه وتعالى . وأيضا فإنّ العبادة أداء للشكر الواجب على جزيل الإفضال والإنعام . ولا نعمة أفضل من التكريم بكمال العرفان . وهذه هي عبادة الأحرار .

--> ( 1 ) أي رآه عليلا غير مستقيم . ( 2 ) وهي نعمة الرجعة إلى الحياة ليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الآثام . ( 3 ) وجه الاستدلال : أنّ العمل بالتكليف شكر على النعماء . قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( سبأ 34 : 13 ) . ( 4 ) التبيان 1 : 253 - 254 . ( 5 ) البحار 41 : 14 . ( 6 ) نقلا بالمعنى ، البحار 69 : 279 .